إني غيرك،قصة قصيرة
كتبهافيكتور جارا ، في 16 يونيو 2008 الساعة: 14:53 م
قصة قصيرة

انـــــي … غيــــــــــــرك
فادي عاصلة/عرابة الجليل
1
حسناً، كل ما أود فهمه الآن لماذا سقطت هذه الجريدة أمامي ؟ لماذا أنا بالذات ؟ وأنا الذي أعلنت مذ عشرين يوماً الاضراب المفتوح عن قراءة الصحف والمجلات ، حتى الحروف وان كانت فوق يافطة متجر، كنت أهرب منها كجرذٍ يلاحقه قط شرس ،وأمضي من جحر الى جحر، كنت مرعوباً وخائفاً كانت القطط تداهمني حتى في الحلم، صور سوداء، عيون مقبطة ،أصوات عظم يتكسر، وأتت هذه الجريدة من باطن الارض كدودة مزعجة لتمحو جرذيتي للحظة وتعيدني الى كياني الذي اخافه.
غلبتني اللعينه، او ربما غلبت نفسي، لست بصدد بحث دراسة حول استراتيجية جبهات القتال بيني وبين الاشياء فقضيه البحث جبهة اخرى لا تقل ضراوة عن الأخر، والجبهات لجبان مرعوب مثلي يقتات الذل والهزيمة هاجس يقض المضجع.
المهم ان هذه الجريدة العاهرة أجبرتني على أن اخرق الاضراب وانحني لالتقاطها رغم ما تسببه لي الصحف من حالة هستيرية ونفسية في الآونة الاخيرة ، كل ما اذكره اني التقطتها ، مضغطتها ككأس علقم، كحبة كستناء حارة تالفة .. التقطتها لكن ما ارد ان اقوله لكم شيء آخر !
2
سأعرج على تفاصيل كثيرة بشهية وشهوة بحزن وبؤس ، سأهرب من آخري الى نفسي ، ليس الهدف من كل هذا ان اظهر لكم حكواتياً متمرساً بطربوشٍ ودشداشة في زاوية مقهى، وانما الهدف هو خلق توازن أخلاقي بين ضغطي الداخلي والخارجي على اختلاف نوعه سواء كانت اسموزياً او طورغوراً او جوياً، في محاولة للصمود فوق خيط من الحمق ولستم بأقل مني مذنبين.
حتى الآن صدمتكم بحقيقة رجل هش وفي بضع سطور تجلى لكم فيه مرضيين نفسيين، عقدتي وقراءة الصحف، وعقدة ضغوطاتي الداخلية والخارجية، فان كنت لا اثقل عليكم او اجبركم بقراءة ما كتبت، فاني اثقل عليكم باختيار طبيب نفسي ماهر عله يعيدني الى ذاتي ويرتب داخلي بصورة تتماشى والمرحلة وعندها سأصلي حد الموت ومعي جموع من المسلمين .
بكل الأحوال ما زلت اعاني افرازات الجريدة، استفزتني … غيرت وجهه حياتي ونظرتي للوجود ، حتى اللحظة احاول ان أكون غيري أن أهرب مني العار من الفضيحة …
اما بالنسبة لحيفا المدينة الرائعة القذرة، فسأصفي حساباتي معها بمعرفتي .. لكن دعونا الآن من كل هذا فما أردت ان اقوله شيء آخر !
3
لا أعرف في الحقيقة ، ليس تنكراً ، بل بالفعل لا أعرف، كيفبدأت علاقتي بسائد حوران ، ولم أحاول ايجاد قصة مفتعله فلم التقيه كالكثير من العلاقات في حافلة وتعارفنا في سفرنا الطويل، او في مشفى او سجن .. كل ما أذكره اني عرفته وفقط، بطريقة عابرة ، ثمة علاقات لا نذكر بدايتها ولكنا نذكر نهايتها ، وكل العلاقات تنتهي ، الاعلاقتي بسائد حوران فقد بدأت من لحظة ان قفزت لي تلك الجريدة الدودية من باطن الارض، لكن ما أرت الحديث عنه ليس حول سائد حوران ولا حول علاقتنا بل أردت أن اقول لكم شيء آخر …
4
سائد حوران شاب فقير من احدى القرى العربية القريبة من عكا، اسمر الوجه ،نحيف الجسم،متوسط الطول،عيناه واسعتان تنمان عن حالة تأهب،انفس أفطس ،وعروق عنقه ويداه بارزة دوماً كمن يشد وراءه تاريخاً من الحكايا..مزاجي ، لا بل لحظي، آني … يفرج ويبكي في خلال ثانية ، مُستفز مستعد ان يصل الى قمة جنونه في لحظة . .
ليدا سائد سحرية خيالية، فهو رسام رهيب، ما يزيد ابداعه قدرته على التنقل في المدارس بين التشكيل والسريالية والتجريد دون ادنى تكلف، وما عرفته ايضاً عن سائد اشياء كثيرة تتعلق بنشاطه الوطني وتطوعه في عشرات المشاريع،عدا عن كونه مصمم اعلانات معظم المشاريع والمهرجانات الثقافية الضخمة ..
كان سائد حوران غريباً ثورياً ، اذا كان يستعمل الوندوز ويلعن مايكروسوفت …
كان يتقن الفوتوشوب ويبصق على الامبريالية والعولمة …
المهم ان سائد كان انساناً مبدعاً … لكن ما يهمكم أنتم من كل هذا ؟ وفي نفس الوقت ما أردت ان اقوله لكم ليس هذا .. وانما شيء آخر . . !!!
5
لا أذكر كيف دخلت الى سائد، ليس الا بيته بل الى داخله، كان كتلة من القهر المشتعلة، كتلة من السخرية اللاذعة ، كتلة من العجز اليائس والأمل والجنون ، اذكر بداية صداقتنا رأيته مغسولاً بالطين، فاعتقدت انه يعملون في بيتهم ، عرضت عليه المساعدة، لكنه انفجر ضاحكاً :
- يا ابني انا اعمل في البناء ..
- لكنك رسام ومصمم ..
زادت حدة ضحكه بصورة جنونية …
- انتا جاي من جزر القمر ؟ يا ابني كل ابداع الدنيا ما بيعشي بسة !
ضاع سائد في عالم افكاره وضعت أنا ولم أكن بخير أكثر منه، هو كان غارقاً في الطين وأنا كنت غارقاً بين الآف الاواني التي تنتظر جليها، كنت أرى بوابات الموت ولا زلت ! أراها من كل اتجاه، دوماً حس الختام في كل الاشياء،قلق وارتباك ،تورط في الاحباط،وانعدام الضوء في الصباحات ،انتظار مجهول وعدم الاستثارة من أية مفاجئة ،ظل حزن في كل شيء،هكذا علمتني الهزائم ووضعية المرحلة ،او هكذا اجبرت على التعلم ..
أعرف أن لا شأن لكم بهذا،لا بلقمة عيشي المغسولة بالقرف،ولا بجيبي الخالية ولا بمداميك سائد حوران، ولذا لنمضي ونعرج عن هذه القضية فما أردت أن أقوله بطبيعة الحال . . شيء آخر . .
6
الحياة في ظل الاحتلال قاسية،وفي جوف الاحتلال أقسى ..
دخل الى غرفتي سائد، وكان قد عبر سلسلة من المصائب في المصرف والحانوت ، كان يحمل مطوية من ورق الكرتون المقوى ، نظر في عيني وأردف :
تعالوا وانظروا قلبي المفتوح للجنون والموت المؤقت
هكذا هي تفاصيل الاحتفال بالمشكلة
هكذا هي القضايا القاضية . . وجوف المسألة …
تعالو وانظروا الى قلبي .. واحكو لي
كيف سنعبر قسوة المرحلة ؟
صدمت ! كانت هذه الفقرة مقطع من احدى قصائدي القديمة، ثم قال، أذكر اني قرأت هذه القصيدة وكانت ضمن مجموعتك التي لم تصدر خربشات على جبين رصاصة ، ثم فتح المطوية وكانت لوحة كبيرة رائعة، يظهر في أقسى الزاوية اليسرى امرأة عارية تدير ظهرها للناس،ويظهر قسمها العلوي،شعرها متطاير حتى أقسى زاوية اللوحة اليمنى،يحيط بشعرها وعنقها أسلائك شائكة وعلامات نزف من عروقها.. في منتصف ظهرها ثقب كبير ورصاصة خارجة لتوها ضخمة تفيض ناراً ،كتب عليها : كل ما احمله عشق وثورة ! أرضية اللوحه من دم ونار، وسمائها سواد…
قدمها لي ومضى … مخلفاً ذهولي وما زالت اللوحه ،لكن سائد لم يزل او ربما انا ما زلت، لكن اللوحه شيء آخر كما ان ما أردت ان اقوله شيء آخر … !
7
كان سائد عاشقاً لناجي العلي،وربما لم تكن ولادة سائد عالم ألفٍ وتسع مائة وسبعٍ وثمانين محض صدفه، اذ ربما كانت ولادته كنوع من اكمال المشوار،فما التاريخ الانساني سوى حلقات،كما ان التاريخ الثوري حلقاتٌ ايضاً …
قال ذات بضع كلمات لها صدى جميل :
- تتجلى الثورة في الموقف الثوري، اما في الكلام فكلنا يا عزيزي ثوريين ، واذا ما بدأ الانسان في مرحلة موبوئة كهذه ان يدخل عالم المجد فلتثق ان فيه خصلة نفاق وخصله دجل ..
كنت اتفهم سائد وقهره،اذ كيف تنظم المعارض في عرض البلاد وطولها لسامي برقاوي تلميذ سائد الفاشل،وكان هاتف سائد لا ينقطع عن الرنين ، فاتصالات سامي كثيرة، في اخذ رأيه حول هذه القضية وتلك الفكرة،ولَّما احتضنت سامي عدة مؤسسات نسي سائد وأفضاله وجرحه،لا بل صار ينتقد سائد في كل محفل،ويُفزم اعماله ويستخف به، لكن سائد كان سائداً طاغياً فالابداع الحر وحده من يفرض نفسه، وبقي سائد متعثراً يرسم لوحه لمجلة ثورية تغلط ابوابها بعد شهرين، او لجريدة جوعى قائميها، ولم تكن سوى طلبات التطوع تنهال على سائد.. ككل ثوريي المرحلة . .
كان سائد يحترق، ينظر لتقدم وتطور الرسامين المتواطئين وهو ما زال يحمل الطين للدور الخامس ..
ومن القاسي الجميل في سائد انه كان ذا استيعاب كبير، اذا كان يتقن العربية،العبرية،الانجليزية،والاسبانية.. اضافة للغتين عرفتهما عنه لاحقاً، لغة الصمت ،ولغة الشتائم والسباب . . اذكر يوماً أمسكني من جارزتني وصرخ في وجهي:
- يكفي كلاماً ناعماً معسولاً، تعلم الشتم الشعري الصريح . .
كان سائد يفرض الواقعية في اللوحه ويريدها في النص، لكني لست بجرأة مظفر،ولا بعبقرية عبد الرحمن منيف،الى اني كنت مدركاً لعهر المرحلة، واختزال الثورة في النهود والاثداء،ومضاجعة الحكومات لاحلامنا وزنى الاحتلال بتاريخنا وأرضنا . . الا اني كنت مهزوماً حتى في النص ..لكن برغم ذلك لستت بصدر فتح مجلة زرقاء الآن،او الحديث عن السباب واللعن وانما اردت الحديث عن شيء آخر …
8
كان يمضي في الشارع ببطيء وملل،كمن يمشي مرغماً ،يلف نفسه بسترته،كعرنوس ذرة فج ،وجاماً متجهماً،يحمل على كتفيه ثلاثين جلسة تحقيق في أقبية التحقيق في عكا،وثلاثة أحكام مشروطة مع وقف التنفيذ…
حققو معه في مركز المخابرات المطل غلى شاطيء البحر امام الشارع الرئيسي في عكا، مدة اربع عشرة ساعة ..
صفعه المحقق وقال له ، نقسم ان نسويك في الارض حين تعود الينا المرة القادمة، ستتناثر اشلائك في هذا المكان..!
كان يتمزق بصمت ،اخرج من جيبه مطوية لأراها فيها هيبة ورهبة ليست تحد .. كانت صورة رجل مخيف مرعب ينزف دماً ودمعاً وقيحاً، يشرط وجهه بمشرط حد وبوابة دماء … نظر الي بيأس مستميت : كيف يمكن لي أن أغير وجهي ؟ كيف لي أن البس قناعاً لا يمثلني ؟ كيف لي أن أعيش … ؟
وكانت تلك المرة الأخيرة التي رأيت فيها سائد … كنت متعثراً مثله، ضعيف، قوي …
رحلت للبعيد ،ونسيت اسمائي وافكاري، ضعت في تفاصيل أخرى، كان سائد لا يكل من السؤال عني، حتى قال ذات يوم بيأس : شكلو ما عاد يجي البلد، صار ابن بطوطة لا يا سائد لا تخطأ فانا لست ابن بطوطة، فابن بطوطة سافر ومضى وانجز، اما ان فكل ما انجزته سجل ديون ومرض في المعدة وبعض المصائب …
صرت أحفظ الطريق بين حيفا ورام الله،شارات المرور، تعرجات الشوارع، والحصى.. لكني أقسم يا سائد اني لست بمذنب، فأنت تعرف أكثر مني كيف تفرض عليك الحياة اليومية قضايا ترفضها في الحقب التاريخية لنفسك،بيد ان كل ما كنته هباءً منثورا ..
هل أزعجتكم ؟ أطلت عليكم ؟ لا أريد ان احملكم احزاني،لا أطيق ان أرى في عيونكم الشفقة او اللامبالاة، ولا أطيق ان افتح زوايا أخرى من قلبي، فلنكمل اذاً فكل هذا ليس القضية وكل ما اردته ان اقوله شيء آخر !
9
ضعت أنا، نعم ضعت،وضاعت الاشياء حولي ، كنت أمشي كذبابة قذرة لا تهدأ ولا تكف عن الحركة ،كنت اصل الليل بالنهار لا لشيء ولا لهدف،ولم انجز شيء يستحق الاهتمام،كنت عديم الفائدة،عدا عن جني بعض النقود الذي لا يجدي في ميزان القضية والكينونة، وكل ما انجزته فكرياً لا يتعدى بضع قصائد فارغة بالية كأسمال قديمة،ولم يزد عن جملة من الحروف الباهتة التافهه، كنت قذراً وما زلت، لكن القذارة نسبية ، والنظافة نسبية،واذا ما قيست بميزان المرحلة ما يؤلمني اني اظهر بعباءة نبي . .
لا أعرف كي انفصلت عن نفسي فجأة، أحمل في قلبي آهات عشرات الرفاق والمبدعين الراحلين بين السجن والاستشهاد وورشات العمل، لم أعد أقوى على فعل شيء، تحطم داخلي مقيت، وهوي فوق سكين صلب …
مضغت عشرات التفاصيل قبل ان اصل اليكم، مزقت كلماتي الف مرة، كنت أشعر بأني عديم الفائدة، انسان خال بال،لا يجيد سوى الندب والبكاء…
لكني كل ما احاوله الآن ليس الوثوب على قدمي،ليس فتح باب جديد،ليس استعادة ما انتهى، وانما الهروب، الهروب ولا شيء سوى الهروب، من نفسي من تاريخي،من عاري، من فضيحتي، ، من عينا سائد اللواتي حرقنني حينما اعتلى الصفحة الاولى في الجريدة،وخبر مبكي تعيس : مقتل شاب في مقتبل العمر،بحادث طرق مروع،أمام مقر الشرطة في عكا في شارع الشاطيء الرئيسي لا أعرف كيف برزت صورة سائدالملقاة على الارض في نفسي، كيف صفعتني الجريدة بهذه الخبر ، دونما ان اقرر القراءة، فجاة كنت أمشي فرأيتها وكانت صورة سائد، قلت في نفسي يشبهه،فالتقطتها وكان سائد فعلاً .. هل كان يجب ان أعرف خبر وفاته من جريدة ملقاة في الشارع بغير قصد ؟ هل تصل بي الحقارة لأن اقرأ تفاصلي الرفاق الراحلين في الصدف ؟
كنت اتصور بعد موته ضجه هائله، ولم يحدث ذلك، لم أرى جريدة تنزف، او مجلة ترثيه، بل حتى المجلة التي تطوع بها كمصمم مجاني لها، في اليوم التالي كان كل ما كتبته : وظيفة شاغرة،في قسم التصميم، بمرتب جيد استغلوا وامتصوا ابداع سائد، وحين رحل لم يجدوا من يتطوع مجاناً فاضطروا للدفع …
كان سائد طاغياً في كل شيء . . حتى في موته، فقد سوي في الارض خارج مقر الشرطة، امام اعينهم،كان يسخر منهم حتى في موته، اتى اليهم ليموت امام اعينهم وليقول ارأيتهم كيف يكون الموت ؟
لم أعد الآن سوى أشباح وعناكب سوداء تلدغني في صحوي ومنامي ، أحاول ان اصل لهدنه مع ذاتي، العار يطاردني وعقدي تتفاقم، وأنا بت كالمهووس باللاشيء … لا أقوى على أن أفعل شيء، الفضيحة تلاحقني،والصمت يشل أوصالي .. وسائد هو سائد ما زال يزورني كل مساء … لكن ما دخلكم انتم بكل هذه القضايا ؟ فانتم لا تحبون ان تحزنوا لدقيقة أعتذر عن ازعاجكم، واعتذر لروتانا وفضائيات الهرج والمرج ان كنت آخذ بعض زبائنها .. فعذراً للجميع، مع اني لم أقل لكم .. فما أردت ان اقوله .. شيء آخر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حكايا طعمها مر | السمات:حكايا طعمها مر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























