صحافة الجدران … تحد للرقابة

كتبهافيكتور جارا ، في 17 مارس 2007 الساعة: 11:22 ص

فادي عاصلة – الجزيرة توك - الجليل

يُلاحظ في الداخل في الآوانة الأخيرة ازدياد ظاهرة الكتابة على الجدران في عدة قرى ومدن ،
المميز والمشترك بين هذه الكتابات، أن جميعها تعبر عن صوت الشعب المقهور، وتحمل أفكار
ومواقف سياسية، وآراء.

في خلال جولتنا في القرى والمدن لاحظنا وجود هذه الظاهرة فيها، وليست محصورة في بلدة أو أخرى .

من العبارات التي وجدناها فوق الجدران كانت كالتالي :

" ماحش قتلت أولادنا مرتين " ،" استفيقوا من صمتكم المخزي بلادنا مستهدفة " ،
" فلسطين من النهر إلى البحر "، " الحرية لأبطال الجبهة الشعبية " ، " فلسطين لن تصوت " ،
" نعم لكامل التراب الفلسطيني " .

المشترك في هذه الكتابات هو ان جميعها خارجة عن القانون الاسرائيلي، وبالتالي هذا يأخذ آفكارنا
بإتجاه آخر وهو أن من كتب هذه الكتابات ، كتبها تحت ضغط نفسي، نتيجة تأثره العميق بما يجري
من احداث، إضافة إلى حالة تمرد.



الكتابة على الجدران تحولت إلى ظاهرة شعبية وإلى صحافة من نوع آخر " صحافة الجدران " ،
فيها ايصال فكرة بدون تعرض كاتبها للخطر، بدون ملاحقات قانونية، إضافة إلى كونها رخيصة لا
تحتاج طباعة، أو ساعي بريد، أو صحيفة . ويستطيع الشخص البسيط التعبير بواسطتها.

الجزيرة توك ولتبيان هذه الظاهرة ، حاورت أبناء من الشارع الفلسطيني، إضافة صاحب اختصاص في مجال علم النفس .

رأي الشارع

صفا رعد ( 18 عام) / أم الفحم : ظاهرة الكتابة على الجدران موجودة أيضاً في أم الفحم، وأرى بها
صوت الشعب ، حتى في الاشياء التي لا يستطيع قولها علانية.
يجب محو الشعارات بين الفينة والاخرى، خصوصاً ان بعضها يعالج مناسبات وطنية محددة .
وذلك كي نستطيع الاحساس بالخروج من حقبة زمنية معينة وبعودة حياتنا إلى طبيعتها.

سعيد دراوشة ( 21 عام ) / عرابة : بنظري لسنا أول وآخر شعب يستعمل هذه الطريقة ( الجرافتي ) ،
بصراحة هي وسيلة تعبير لمن لا يملك منبر، مع أنها تشويه للبيئة . إلا أني أتفهم كاتبيها .

هديل طاهر ( 17 عام ) / عرعرة :الكتابة على الجدران، هي وسيلة أخرى للتعبير، في حين أن المظاهرات،
نحن في الداخل لا نرى ان المظاهرات والاعتصامات تكفي للتعبير الكامل عما يدور في داخلنا،
وبالتالي فهذه الظاهرة هي وسيلة للتعبير .
أنا ضد هذه الظاهرة لانها ليست بالورق او اللوحات للآخرين، إلا أنني أعذرهم فالظروف الموجودة
تقتضي التفهم .

أنيس صفوري ( 20 عام ) / شفا عمر : أعتقد أنه طالما هناك وسائل أخرى متاحة فيجب التعبير
واستغلال كافة الطرق الملائمة للتعبير، فهناك ما زال العديد من طرق التعبير التي لم نستغلها بشكل
ملائم لذا فأرى بالكتابة على الجدران ضعف في استغلال وسائل التعبير.



طارق خطيب ( 19 عام ) / نحف: ظاهرة الكتابة على الجدران، تحمل في طياتها عيوب وحسنات،
فهي تلوث البيئة والمنظر العام وهذا عيبها الوحيد، لكنها من جهة أخرى توصل فكرة قوية بسيطة
لها تأثيره أعمق من أضخم مقال أدبي … تحمل فكر الانسان الثوري بكل بساطة بعيداً عن عيون الرقابة .

الجانب النفسي ؟!!

على الرغم من شح الدراسات النفسية والاجتماعية في هذا المجال، إلا اننا حاولنا الوصول لاجابا في الجانب النفسي لهذه الظاهرة .

الجزيرة توك حاورت ال د. أحمد نصار في جلسة مطولة ، واستفسرت منه حول التاريخ النفسي لهذه
الظاهرة، دوافعها النفسية، أهدافها ومدى تاثيرها على رأي الشارع :


في الحقيقة ظاهرة الكتابة على الجدران هي ظاهرة قديمة جداً، يعني حتى في زمن الجاهلية كان
الشعراء يكتبون، المعلقات ما هي ؟ هي كتابة على الجدران، وكانت تحمل فكر وتوجه معين، هذا
على الصعيد الادبي وكان بهدف تشجيع الابداع اللغوي ، وكان وما زال بيوت تكتب على جدرانها
آيات من القرآن او احاديث، بهدف ابراز انتماء واضح إلى دين وفكر وتيار، وحتى هذه الظاهرة تعود
أكثر من الجاهلية، تاريخ الفراعنة بحد ذاته واللغة الهيروغلوفية هي كتابة على الجدران، إذاً
للكتابة على الجدران تاريخ عريق.

عدم قدرة الانسان على التعبير عن أفكاره وأراءه التي يستطيع التعبير عنها على الملأ كان يعبر
عنها بالكتابة على الصخور .



من أهم محطات الكتابة على الجدران في التاريخ الحديث لدى أصحاب الفكرالمقموع، هم أصحاب
فكر السجون، لا نستطيع المرور هنا، دون التطرق إلى الكتابة على الجدران في السجون، والتي
تحمل في طياتها قصص للمعاناة، تواريخ، اسماء المعتقلين، قصائد وحكايا انسانية …

وأضاف د.نصار لاقت صحافة الجدران اقبالاً وممارسة واسعة النطاق والتي من خلالها يتم توصيل
العديد من الافكار والاراء الممنوعة رسمياً في اجهزة الاعلام المحلية. مما يعطي مساحة اوسع
للتعبير عن الفكر الحقيقي لمجموعات كبيرة من فلسطيني الداخل دون معرفة أصحاب هذا الفكر
ومؤيديه والذي بدوره ايضاً يحمي ممارسي هذه الصحافة من مقص الرقابة ومن تحمل العقوبات
المترتبة على القيام بهذه الكتابة .

من مميزات هذا النوع من الصحافة أنه يمارس في ساعات الليل المتأخرة، بحيث تكون الشوارع
خالية من المارة، وامكانية رصد واكتشاف ممارس هذه المهنة يكون ضئيلاً .

ومن أهم الردود على المتلقي أنها تكون رسالة قصيرة واضحة لا تتعدى السطر او بيت الشعر او عدة
كلمات، إلا أنها تضاهي في قوة ايصالها للفكرة الصحافة والاذاعة وتكنولوجيا المعلومات الرقمية،
صحافة الجدران تثير فضول الشارع وتترك أثر نفسي في ذهن المتلقي وتلفت نظره .

وحول الشعور النفسي للحظات الكتابة فقد أجابنا د.نصار :

من أهم المشاعر التي تبرز في نفسية ممارس هذه الصحافة في لحظة الكتابة هي : الضغط النفسي،
الخوف، القلق، الشعور بالتهديد، الارتباك، الحذر، وتجنيد القوة الفوق طبيعية " بارانورماليت " هذه
العوامل كلها تدفعه إلى انهاء مهمته على وجه السرعة. والعودة إلى موقع الانطلاق والوقوف
موقف المراقب والمتأهب للتطورات وردود الفعل المختلفة على هذه الكتابات، على الشعبي ، وعلى
الصعيد الأمني .

اما فيما يتعلق بالشعور النفسي بعد اتمام المهمة فقال :

الشعور الذي يختلج نفسيه" الصحفيون " المتمردون بعد التعبيرعن افكارهم واراءهم المكبوتة
شعور براحة الضمير والاحساس بشرف المحاولة للمساهمة في النضال ، شعور بالبطولة ، يرافقه
الترقب الحذر .

بين الجليل ورام الله

" صحافة الجدران " هي ظاهرة منتشرة جداً ، وخصوصاً في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة،
كونها لا تقبع تحت سلطة اسرائيلة، اوحكم اسرائيلي، بمعنى انهم بعيدون عن الرقابة إلى حد ما، لذا
فنلحظ هناك تطور ملموس في صحافة الجدران، بحيث تكون الكتابة بتأني وتشمل صور ولوحات
فنية، ورموز تحتاج إلى عمل مضني، وهذا الأمر يختلف عن الداخل بحيث ان ممارسة هذا النوع في
الداخل هو اختلاس، نظراً لخطورة الموضوع، وارتفاع الاحكام بحق كتاب هذه الشعارات.

" صحافة الجدران " أصبحت وسيلة مهمة في الشارع الفلسطيني بحيث أن الفصائل الفلسطينية في
عدة مناطق تقسم الجدران بينها، وهذا يدل على أهمية هذا الوسيلة للاعلام،كما انهم يوقعونها
باسمائهم الامر الذي يختلف عن الداخل الذي تمارس في الخفاء دون توقيع . وهذا يعني انها قفزة
قفزات نوعية في الظفة وقطاع غزة الأمر الذي قد يعطينا المجال ان نقول، ان " صحافة الجدران "
في الداخل قد ابتدأت بشق طريقها .. وهو ما يتلائم نسبياً مع ارتفاع وتيرة الضغط الشعبي وحالة
التعب النفسي التي يعيشها افراد المجتمع الفلسطيني نتيجة ظروفهم الكارثية .


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تقاربر مختنقة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “صحافة الجدران … تحد للرقابة”

  1. اريد المقال عن الكذب عن التسول لكني اريد 11 صطر او 10 مع تحياتي ميمي وشكرا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر




فامنحوا للفقراء لحظة ، اننا نجيد لو منحتمونا، الحياة