قصة قصيرة

انـــــي … غيــــــــــــرك
فادي عاصلة/عرابة الجليل
1
حسناً، كل ما أود فهمه الآن لماذا سقطت هذه الجريدة أمامي ؟ لماذا أنا بالذات ؟ وأنا الذي أعلنت مذ عشرين يوماً الاضراب المفتوح عن قراءة الصحف والمجلات ، حتى الحروف وان كانت فوق يافطة متجر، كنت أهرب منها كجرذٍ يلاحقه قط شرس ،وأمضي من جحر الى جحر، كنت مرعوباً وخائفاً كانت القطط تداهمني حتى في الحلم، صور سوداء، عيون مقبطة ،أصوات عظم يتكسر، وأتت هذه الجريدة من باطن الارض كدودة مزعجة لتمحو جرذيتي للحظة وتعيدني الى كياني الذي اخافه.
غلبتني اللعينه، او ربما غلبت نفسي، لست بصدد بحث دراسة حول استراتيجية جبهات القتال بيني وبين الاشياء فقضيه البحث جبهة اخرى لا تقل ضراوة عن الأخر، والجبهات لجبان مرعوب مثلي يقتات الذل والهزيمة هاجس يقض المضجع.
المهم ان هذه الجريدة العاهرة أجبرتني على أن اخرق الاضراب وانحني لالتقاطها رغم ما تسببه لي الصحف من حالة هستيرية ونفسية في الآونة الاخيرة ، كل ما اذكره اني التقطتها ، مضغطتها ككأس علقم، كحبة كستناء حارة تالفة .. التقطتها لكن ما ارد ان اقوله لكم شيء آخر !
2
سأعرج على تفاصيل كثيرة بشهية وشهوة بحزن وبؤس ، سأهرب من آخري الى نفسي ، ليس الهدف من كل هذا ان اظهر لكم حكواتياً متمرساً بطربوشٍ ودشداشة في زاوية مقهى، وانما الهدف هو خلق توازن أخلاقي بين ضغطي الداخلي والخارجي على اختلاف نوعه سواء كانت اسموزياً او طورغوراً او جوياً، في محاولة للصمود فوق خيط من الحمق ولستم بأقل مني مذنبين.
حتى الآن صدمتكم بحقيقة رجل هش وفي بضع سطور تجلى لكم فيه مرضيين نفسيين، عقدتي وقراءة الصحف، وعقدة ضغوطاتي الداخلية والخارجية، فان كنت لا اثقل عليكم او اجبركم بقراءة ما كتبت، فاني اثقل عليكم باختيار طبيب نفسي ماهر عله يعيدني الى ذاتي ويرتب داخلي بصورة تتماشى والمرحلة وعندها سأصلي حد الموت ومعي جموع من المسلمين .
بكل الأحوال ما زلت اعاني افرازات الجريدة، استفزتني … غيرت وجهه حياتي ونظرتي للوجود ، حتى اللحظة احاول ان أكون غيري أن أهرب مني العار من الفضيحة …
اما بالنسبة لحيفا المدينة الرائعة القذرة، فسأصفي حساباتي معها بمعرفتي .. لكن دعونا الآن من كل هذا فما أردت ان اقوله شيء آخر !
3
لا أعرف في الحقيقة ، ليس تنكراً ، بل بالفعل لا أعرف، كيفبدأت علاقتي بسائد حوران ، ولم أحاول ايجاد قصة مفتعله فلم التقيه كالكثير من العلاقات في حافلة وتعارفنا في سفرنا الطويل، او في مشفى او سجن .. كل ما أذكره اني عرفته وفقط، بطريقة عابرة ، ثمة علاقات لا نذكر بدايتها ولكنا نذكر نهايتها ، وكل العلاقات تنتهي ، الاعلاقتي بسائد حوران فقد بدأت من لحظة ان قفزت لي تلك الجريدة الدودية من باطن الارض، لكن ما أرت الحديث عنه ليس حول سائد حوران ولا حول علاقتنا بل أردت أن اقول لكم شيء آخر …
4
سائد حوران شاب فقير من احدى القرى العربية القريبة من عكا، اسمر الوجه ،نحيف الجسم،متوسط الطول،عيناه واسعتان تنمان عن حالة تأهب،انفس أفطس ،وعروق عنقه ويداه بارزة دوماً كمن يشد وراءه تاريخاً من الحكايا..مزاجي ، لا بل لحظي، آني … يفرج ويبكي في خلال ثانية ، مُستفز مستعد ان يصل الى قمة جنونه في لحظة . .
ليدا سائد سحرية خيالية، فهو رسام رهيب، ما يزيد ابداعه قدرته على التنقل في المدارس بين التشكيل والسريالية والتجريد دون ادنى تكلف، وما عرفته ايضاً عن سائد اشياء كثيرة تتعلق بنشاطه الوطني وتطوعه في عشرات المشاريع،عدا عن كونه مصمم اعلانات معظم المشاريع والمهرجانات الثقافية الضخمة ..
كان سائد حوران غريباً ثورياً ، اذا كان يستعمل الوندوز ويلعن مايكروسوفت …
كان يتقن الفوتوشوب ويبصق على الامبريالية والعولمة …
المهم ان سائد كان انساناً مبدعاً … لكن ما يهمكم أنتم من كل هذا ؟ وفي نفس الوقت ما أردت ان اقوله لكم ليس هذا .. وانما شيء آخر . . !!!
5
لا أذكر كيف دخلت الى سائد، ليس الا بيته بل الى داخله، كان كتلة من القهر المشتعلة، كتلة من السخرية اللاذعة ، كتلة من العجز اليائس والأمل والجنون ، اذكر بداية صداقتنا رأيته مغسولاً بالطين، فاعتقدت انه يعملون في بيتهم ، عرضت عليه المساعدة، لكنه انفجر ضاحكاً :
- يا ابني انا اعمل في البناء ..
- لكنك رسام ومصمم ..
زادت حدة ضحكه بصورة جنونية …
- انتا جاي من جزر القمر ؟ يا ابني كل ابداع الدنيا ما بيعشي بسة !
ضاع سائد في عالم افكاره وضعت أنا ولم أكن بخير أكثر منه، هو كان غارقاً في الطين وأنا كنت غارقاً بين الآف الاواني التي تنتظر جليها، كنت أرى بوابات الموت ولا زلت ! أراها من كل اتجاه، دوماً حس الختام في كل الاشياء،قلق وارتباك ،تورط في الاحباط،وانعدام الضوء في الصباحات ،انتظار مجهول وعدم الاستثارة من أية مفاجئة ،ظل حزن في كل شيء،هكذا علمتني الهزائم ووضعية المرحلة ،او هكذا اجبرت على التعلم ..
أعرف أن لا شأن لكم بهذا،لا بلقمة عيشي المغسولة بالقرف،ولا بجيبي الخالية ولا بمداميك سائد حوران، ولذا لنمضي ونعرج عن هذه القضية فما أردت أن أقوله بطبيعة الحال . . شيء آخر . .
6
الحياة في ظل الاحتلال قاسية،وفي جوف الاحتلال أقسى ..
دخل الى غرفتي سائد، وكان قد عبر سلسلة من المصائب في المصرف والحانوت ، كان يحمل مطوية من ورق الكرتون المقوى ، نظر في عيني وأردف :
تعالوا وانظروا قلبي المفتوح للجنون والموت المؤق














