إني غيرك،قصة قصيرة

يونيو 16th, 2008 كتبها فيكتور جارا نشر في , حكايا طعمها مر

قصة قصيرة

انـــــي … غيــــــــــــرك

فادي عاصلة/عرابة الجليل 

1

 

حسناً، كل ما أود فهمه الآن لماذا سقطت هذه الجريدة أمامي  ؟ لماذا أنا بالذات ؟ وأنا الذي أعلنت مذ عشرين يوماً الاضراب المفتوح عن قراءة الصحف والمجلات ، حتى الحروف وان كانت فوق يافطة متجر، كنت أهرب منها كجرذٍ يلاحقه قط شرس ،وأمضي من جحر الى جحر، كنت مرعوباً وخائفاً كانت القطط تداهمني حتى في الحلم، صور سوداء، عيون مقبطة ،أصوات عظم يتكسر، وأتت هذه الجريدة من باطن الارض كدودة مزعجة لتمحو جرذيتي للحظة وتعيدني الى كياني الذي اخافه.

غلبتني اللعينه، او ربما غلبت نفسي، لست بصدد بحث دراسة حول استراتيجية جبهات القتال بيني وبين الاشياء فقضيه البحث جبهة اخرى لا تقل ضراوة عن الأخر، والجبهات لجبان مرعوب مثلي يقتات الذل والهزيمة هاجس يقض المضجع.

المهم ان هذه الجريدة العاهرة أجبرتني على أن اخرق الاضراب وانحني لالتقاطها رغم ما تسببه لي الصحف من حالة هستيرية ونفسية في الآونة الاخيرة ، كل ما اذكره اني التقطتها ، مضغطتها ككأس علقم، كحبة كستناء حارة تالفة .. التقطتها لكن ما ارد ان اقوله لكم شيء آخر !

 

 2

 

سأعرج على تفاصيل كثيرة بشهية وشهوة بحزن وبؤس ، سأهرب من آخري الى نفسي ، ليس الهدف من كل هذا ان اظهر لكم حكواتياً متمرساً بطربوشٍ ودشداشة في زاوية مقهى، وانما الهدف هو خلق توازن أخلاقي بين ضغطي الداخلي والخارجي على اختلاف نوعه سواء كانت اسموزياً او طورغوراً او جوياً، في محاولة للصمود فوق خيط من الحمق ولستم بأقل مني مذنبين.

حتى الآن صدمتكم بحقيقة رجل هش وفي بضع سطور تجلى لكم فيه مرضيين نفسيين، عقدتي وقراءة الصحف، وعقدة ضغوطاتي الداخلية والخارجية، فان كنت لا اثقل عليكم او اجبركم بقراءة ما كتبت، فاني اثقل عليكم باختيار طبيب نفسي ماهر عله يعيدني الى ذاتي ويرتب داخلي بصورة تتماشى والمرحلة وعندها سأصلي حد الموت ومعي جموع من المسلمين .

بكل الأحوال ما زلت اعاني افرازات الجريدة، استفزتني … غيرت وجهه حياتي ونظرتي للوجود ، حتى اللحظة احاول ان أكون غيري أن أهرب مني العار من الفضيحة …

اما بالنسبة لحيفا المدينة الرائعة القذرة، فسأصفي حساباتي معها بمعرفتي .. لكن دعونا الآن من كل هذا فما أردت ان اقوله شيء آخر !

 

3

 

لا أعرف في الحقيقة ، ليس تنكراً ، بل بالفعل لا أعرف، كيفبدأت علاقتي بسائد حوران ، ولم أحاول ايجاد قصة مفتعله فلم التقيه كالكثير من العلاقات في حافلة وتعارفنا في سفرنا الطويل، او في مشفى او سجن .. كل ما أذكره اني عرفته وفقط، بطريقة عابرة ، ثمة علاقات لا نذكر بدايتها ولكنا نذكر نهايتها ، وكل العلاقات تنتهي ، الاعلاقتي بسائد حوران فقد بدأت من لحظة ان قفزت لي تلك الجريدة الدودية من باطن الارض، لكن ما أرت الحديث عنه ليس حول سائد حوران ولا حول علاقتنا بل أردت أن اقول لكم شيء آخر …

 

4

 

سائد حوران شاب فقير من احدى القرى العربية القريبة من عكا، اسمر الوجه ،نحيف الجسم،متوسط الطول،عيناه واسعتان تنمان عن حالة تأهب،انفس أفطس ،وعروق عنقه ويداه بارزة دوماً كمن يشد وراءه تاريخاً من الحكايا..مزاجي ، لا بل لحظي، آني … يفرج ويبكي في خلال ثانية ، مُستفز مستعد ان يصل الى قمة جنونه في لحظة . .

ليدا سائد سحرية خيالية، فهو رسام رهيب، ما يزيد ابداعه قدرته على التنقل في المدارس بين التشكيل والسريالية والتجريد دون ادنى تكلف، وما عرفته ايضاً عن سائد اشياء كثيرة تتعلق بنشاطه الوطني وتطوعه في عشرات المشاريع،عدا عن كونه مصمم اعلانات معظم المشاريع والمهرجانات الثقافية الضخمة ..

كان سائد حوران غريباً ثورياً ، اذا كان يستعمل الوندوز ويلعن مايكروسوفت …

كان يتقن الفوتوشوب ويبصق على الامبريالية والعولمة …

المهم ان سائد كان انساناً مبدعاً … لكن ما يهمكم أنتم من كل هذا ؟ وفي نفس الوقت ما أردت ان اقوله لكم ليس هذا .. وانما شيء آخر . . !!!

 

5

 

لا أذكر كيف دخلت الى سائد، ليس الا بيته بل الى داخله، كان كتلة من القهر المشتعلة، كتلة من السخرية اللاذعة ، كتلة من العجز اليائس والأمل والجنون ، اذكر بداية صداقتنا رأيته مغسولاً بالطين، فاعتقدت انه يعملون في بيتهم ، عرضت عليه المساعدة، لكنه انفجر ضاحكاً :

 

-         يا ابني انا اعمل في البناء ..

-         لكنك رسام ومصمم ..

 

زادت حدة ضحكه بصورة جنونية …

 

-         انتا جاي من جزر القمر ؟ يا ابني كل ابداع الدنيا ما بيعشي بسة !

 

ضاع سائد في عالم افكاره وضعت أنا ولم أكن بخير أكثر منه، هو كان غارقاً في الطين وأنا كنت غارقاً بين الآف الاواني التي تنتظر جليها، كنت أرى بوابات الموت ولا زلت ! أراها من كل اتجاه، دوماً حس الختام في كل الاشياء،قلق وارتباك ،تورط في الاحباط،وانعدام الضوء في الصباحات ،انتظار مجهول وعدم الاستثارة من أية مفاجئة ،ظل حزن في كل شيء،هكذا علمتني الهزائم ووضعية المرحلة ،او هكذا اجبرت على التعلم  ..

أعرف أن لا شأن لكم بهذا،لا بلقمة عيشي المغسولة بالقرف،ولا بجيبي الخالية ولا بمداميك سائد حوران، ولذا لنمضي ونعرج عن هذه القضية فما أردت أن أقوله بطبيعة الحال  . . شيء آخر . .

 

6

 

الحياة في ظل الاحتلال قاسية،وفي جوف الاحتلال أقسى ..

دخل الى غرفتي سائد، وكان قد عبر سلسلة من المصائب في المصرف والحانوت ، كان يحمل مطوية من ورق الكرتون المقوى ، نظر في عيني وأردف :

 

تعالوا وانظروا قلبي المفتوح للجنون والموت المؤق

المزيد


خمس ساعات في الحافلة

أبريل 8th, 2007 كتبها فيكتور جارا نشر في , حكايا طعمها مر

   خمسة ساعات في الحافلة ، تفككت مفاصله، وباق ثلاث ساعات للوصول إلى الهدف البعيد القريب، كان  " ورد الخازن "  خلالها يستنشق الهواء وتنسال الذكريات في مخيلته كشريط سينمائي شائك …هناك في المسافة ما قبل خمس ساعات ترك ألف حلم، وترك بعض دمه النازف ليعانق غبار الطريق .كان ورد الخازن موظفاً بسيطاً يقتات من عمله في صحيفة القرية، وكان يحب الزراعة وأكل البطاطس المقلية، ويهوى الطبخ والزراعة، والمشي في الغروب والجلوس في احضان الطبيعة، وكتابة الشذرات ومداعبة الاطفال .وكان ورد الخازن قد خطط لخطبة إحدى فتيات الجليل التي يرن اسمها في مخيلته رنين له طعم آخر ! وكان التقاء نظرتيهما كل مساء شيء له سمو عشق، ودرجات تقاس في سلم ريختر للهزات العاطفية .ورد الخازن كان يعشق القرية بأزقتها وحواريها وأطفالها، يعشق هرولة الاطفال بنصف ملابس، والشوكلاطة تدهن نصف وجوهم، وهم يتراكضون خلف بعضهم البعض ، يعشق أفواج الشباب والعجائز تهرول صوب المسجد في وقت الآذان، يعشق الهدوء الذي يخيم في المساء وأصوات البسطاء : " علي تعال تعشا يما " " ابعث محمود يشتري لبن وحليب، وشوف اخوك مالو بيبكي " " يمسيكي بالخير يا جارتنا بالله كم قصفة نعنع اعمل شاي للحج حلقو بيوجعو " كان ورد الخازن مجبول بالبساطة القروية حد الموت ، مغمس في أصالتها، منقوع في وحلها .لذا كان ورد الخازن يعلم أطفال حارته القراءة والكتابة، يأخذهم في جولات، يجمعهم حوله كأنه اباهم، يأخذهم إلى السهل، يشتري لهم ما استطاع من الكتب ، يحكي له القصص عن تاريخهم وشعبهم
المزيد


ملامح لملحمة عشق خالدة

مارس 19th, 2007 كتبها فيكتور جارا نشر في , حكايا طعمها مر

 

                     إلى الغالية أمل …

 

لا أدري لماذا أكتب اليك هذه الرسالة في هذه الساعة المتأخرة من حزني ،لا أدري أين هو صاحبها الآن  وأين انت ، لا أدري ان كنت ما زلت تذكرين بقايا مني ، او ما زال صدى صوتي الباكي الحزين حين ودعك ، لا أدري ان كنت بعد اقطن في زاوية من زوايا فكرك الذي طردني في ابرد ايام كانون ، اكتبها ليقرأها الف انسان وصاحبها لم يقرأها اوفلنقل لن يقرأها ، يقرأها كل قاريء ليمضي معها وقتاً لاسرق من عمرة ساعة في قراءة مذكرة دامية او رسالة باكية ، او نص حزين من نصوص مآساتي التي عشتها وحدي وبكيتها وحدي ، فيتأثر لدقائق معدودة ويمضي في زحام الايام وابقى تحت ركام الآلام …

لا ادري لمن اكتبها ولن ادري ، ومن الآن فصاعداً لن أدري اي شيء ، سأعيش كمن يولدون ويموتون وهم مزروعون على ارصفة الطرقات يحدقون في الغادي والآتي وينتظرون الموت العاتي ، سأعيش كقيسي لم يمت بل بقي مخلصاً وفياً وافياً ، ليس لان ليلاه تستحق ان يقدم روحه قربان حب لها ، بل لانه وافي لكل وعد قطعه ، ساعيش كعجوز استقر على كرسي خشبي حزين واقف على عتبة شارع يتأمل برأس يميل قليلاً ليرتكز على كفة يده ويحدق في الفراغ متعجباً مقارناً بين اليوم والامس ، سأعيش كيفما الدنيا لكني لن اكون طفلاً قيده أبوه عند حلاق لئيم فارخى عنقه واستسلم للامر الواقع …

اكتب رسالتي لتكتبني وتكتب جراحي ، كان الحري ان تقرأيها انت يا امل ، نعم انت ، انت تعرفين كم كنت احبك ، كم سهرت لاجلك ، وكم دمعة سقطت لحبك ، انت تعرفين كم ارتجف قلبي وكم تمنيتك شريكة المستقبل ، انت تعرفين كل شيء عن حبي ، منذ ولادة بذور الحب الاول ، تعرفين فرحتي ولهفتي ، ولكن لا تعرفين النهاية ، تعرفين نهاية قصتنا ، لكن نهايتي أنا مختلفة تماماً فهي نهاية بطل اسطوري مد بصره على ألف قلعة هدمها ، وأخذ رمقة لسهوب الاراضي التي غدت ملكاً له ، نهاية بطل اسطوري حين وجد ان كل ذلك لن يرد موتاً اتاه مطالباً بامانة الرب ، لا ، لا ، فانا لست بطلاً أسطورياً ولن اكون ، فلنقل نهاية طفل صغير امضى ساعات في ترتيب طبقات من لعب " الليجو " فانهدمت رأساً على عقب لتمحو كل آماله في التمتع بمبتغاه ، فلنقل نهاية اي شيء لكن النهاية دائماً لها الم في النفس ، هي مؤلمة ليس فقط بمقدار اسمها وحجمها وانما بمقدار المسافة التي ترنو اليها النهاية .

اتذكرين يا امل ، حين التقينا لاول مرة في ليل ادهم من يوم خميس ماطر من شهر كانون القارس البرد والنسمة ، عندها عدت بكل شيء الا من قلبي حين تركته على أعتاب الأمل ، تركته وعدت خالياً سوى من " امل " خافقة في الصدر ، غدت هي القلب ، او القلب تنازل عن عرشه ، تعرفين انت ماذا حصل بعد ، كيف عشقتك بكل ما يستطيع قلب ان يحمله ، تعرفين كم كنت اكرر كلمة " امل " لانها تربطني بامل حياتي وامل قلبي ، وتعرفين كم ضحينا نحن الاثنان حين رفضت كل مغريات الغرب كي اترك بلادي ، وقد رفضت بكل حزم لاني لا اقوى على البعد ، لانك امل الروح ومنية الفؤاد ، لانك المنى والمبتغى لانك نسمة الرؤى ولذة الثؤى …

وتعرفين انت ماذا جرى بعد ، كيف نما الحب في قلبينا ، تعرفين السهرات كم بدت حلوة ، تعرفين الهدايا الرسائل ، كم القلب جن وحن ، تعرفين كم كان العشق عشقاً بكل ما في الكلمة من شوق والتصاق ، تعرفين كم عانينا لرؤية بعضنا البعض وكم عانينا من اجل احتلال ساعة من الزمن نتحادث فيها ، ونبث الاحزان والاحاسيس نبكي تارة ونضحك تارة …

وتعرفين انت ماذا جرى بعد ، طبعاً تعرفين ، تعرفينه اكثر مني ، لان هذه الماساة انت من عاشها ، حين أدرك أرباب الامور بقصة الحب الابقى ، تعرفين كيف جاؤوا الي طالبين بكل سهولة ان انساك ، وكم بنى اليأس والحزن في الفكر صروحاً وصروحاً لكن كل شيء انهدم حين وقفت متحدية الجميع حين وقفت سد صمود في وجه الفراق الجارف ، كان لديك جرأة بأعذب وجوهها وإصرار يائس ، وعندها اخذت شجاعتي من عروق وجهك التي برزت ترفض البعد ، اخذت صمودي من هاتيين العينين المحدقتين بحدة ، اخذت قوتي ، من كلماتك القوية التي تخرج دون تردد من مواقفك وقرارتك الحازمة التي لا تعرف انصاف الحلول ،لاستلهم من طيف حبك قصائدي ، وقد أبديت رأيك بكلماتي كأجمل ما كتبت ، لكن يا " أمل " كانت أجمل ما كتب وقتها ، لأن كلماتي خرجت من القلب ، هي خرجت من القلب وانا مت على اعتابه …

آه كم كنت حلوة غنوجاً حين قدمت لي هدية رائعة الجمال اوفلنقل رائعة الذوق ، زجاجة عطر فرنسية ، ودمية جميلة رائعة تقول بصوت عذب : " احبك احبك احبك " كانت اجمل هدية تلقيتها في حياتي ، لاني كنت متاكداً انها اقتنت بعناء وتفكير ، وكانت رائحة العطر تأخذني لنسيم ربيعك الذي لا يتلوه خريف أو شتاء …

ومرت أيام غبت فيها فحن القلب واحترقت في لهيب العشق المضني لتطلي من بين اخاديد الزمن المهتريء وتقولي بعبارة  بسيطة لا تتجاوز الثمانية كلمات : " اسفة حبيبي ، لن استطيع ان اكمل معك المسير … "  ثمانية كلمات خطت حروف النهاية …

حاولت ان اكبت دمعتي قدر المستطاع واغرقها بالكلام ، حين طلبت مني ان ارد على هذا القرار ، لكن بحر الكلام الذي قررت ان اخمد فيه دمعتي كان ناراً حين لم يكفك قر النار لتقوليها  بأقسى صورة ممكنة بأشد من تمرير سكين حاد امضى جزار عمراً في تمضيته ، حين قلت : " هيا تكلم ما لديك ، لا املك من الوقت الكافي لاستمع لك قل ما لديك بسرعة " وهل بقيت من اهات ابثها ، ايام قضيناها ليالي سهرناها لا السنون كانت تكفينا للكلام ولاالقرون كانت تكفي للقاءات ، كان حبنا يتعدى الزمن ، يتمرد على الواقع ، والان لم يعد متسع للكلام ، لم يعد متسع من الوقت ، لا يا " أمل " لا يا حبيبتي هناك متسع من الوقت والزمن لكن لا متسع من الحب …

لم اعرف لاين وصلت في قصة حبي لكنك غبت ، وغيبتك الايام ،ولم اعرف اي شيء عنك ، لم اعد املك حق الكلام معك ، لم يعد الحق ان احبك ، وان اسير على دربك وان اربط عمري بعمرك …

لكني ارسلت لك رسالة حملت كلماتها كل جراحي ، وقلت لك فيها ان كنت ما زلت تذكرينها لا بد قليلاً ان تذكريها لكني ساذكرك بها ان محا الزمن سطورها مع العلم انه لن يمحوها لان ما كتب بالدم لا يمحوه الا الدم …

الى الوردة الغالية امل … تحية قلبية مرتجفة وبعد :

لا اعرف ما ال

المزيد


لمن ستورث مقعد الجرح يا سالم ؟

مارس 17th, 2007 كتبها فيكتور جارا نشر في , حكايا طعمها مر

الليلة قررت بعد ان علق الأسرى اضرابهم ، ان أعلق أنا أيضاً اضرابي حين كنت متضامناً معهم ، وعدت إلى البيت بابتسامة راضية بعض الشيء ، وخلال عودتي مررت بمحاذاة مقبرة القرية ، ولفت إنتباهي إسمك عزيزي سالم من بين الأسماء الكثيرة المحفورة فوق الشواهد ، وعادت بي ذاكرتي سنين إلى ما قبل الجرح …
عدت إلى البيت وكنت يا سالم ما تزال تطأ أرصفة صدري ، لتزيل طبقات الغبار وتعود كما لم ترحل ! ( الحزن ) ( الاصالة ) ( الوطن ) بين هذه الثلاث نقاط كنت تمضي يا سالم بثقة دونما أي رجفة …
لماذا لم تأكل يا سالم غير كسرات النهاية ؟ وترتوي ببعض قهر المرحلة ؟ سالم لما لم تخبرني أنك تحمل كل حقائب الرحيل كي أحمل جزءاً منها وأمضي معك ، فالجليل يا سالم كله بحاجة إليك …
قالت ذات يوم جدتي : " سليمة ما بتحب إلا الزين " سالم كنت أعرف أنك " زين " لكني لم أعرف أنك زين سليمة الذي أحبته … (سليمة هي كلمة عامية قديمة في الجليل معناها المقبرة)
ليس غريب أن أشتاق إليك الآن وقد مرت ثلاث سنين ..التقيتك في المدرسة ، في فترة المواجهات ، أثر سقوط شهداء الجليل ، وقفت في منتصف الساحة وقلت بصوت هز أركان المدرسة : " شباب وصبايا في ناس بيناتنا خسرت كل عمرها ، وإحنا مستعدين نخسر شوية دروس ، اللي هان عليه دم أسيل وعلاء ، يفوت ويتعلم ، واللي عندو كرامة يلحقنا … " سالم لا أنساك خارجاً من المدرسة وخلفك مدرسة متكاملة تهتف صوتً واحد ونبرة واحدة وصرخة واحدة … يا أسيل ويا مجروح دمك هدر ما بروح … دمك علاء ينادي حرة يا أرض بلادي … من عرابة لبيروت وحدة شعب ما بتموت … من عرابة للخليل وحدة دم عم بتسيل …
سالم شمساوي ، ما زلت

المزيد


الترمب

فبراير 13th, 2007 كتبها فيكتور جارا نشر في , حكايا طعمها مر

الترمــــــب

 

 

كانت الأجواء لا تحتاج إلى التفكير الكثير ، ثمة قرارات يجب أن تكون فيها حازماً حينما يتعلق الأمر بالأرض وبالكرامة …

الطريق من عرابة إلى الناصرة ليست صعبة ، ولا هي بالخطيرة ، ولا مكلفة …

يكفي أن أملأ خزان الوقود بعشرة لترات بنزين ، او ما يعادل الخمسون شاقلاً   ( 12 دولار ) ، وأمضي …

 

أدار محرك السيارة ليهم بالسفر ، فركضت أمه صوبه :

 

-        " وين متسهل يما "

-        ع الناصرة

-        وشوفي بالناصرة

-        في مظاهرة يما بشارع الكراجات

-        يعني بتكون هون الظهريات ع الصلاة ؟

-        لا يما بدي اميل عند صاحبي لانو في بالليل مهرجان بساحة العين تضامن مع الاسرى والمعتقلين .

-        الله يسهل عليك يما ويبعد عنك ولاد الحرام ، دربك خضرا ، بجاه  الصباح الفتاح …

 

أدار المحرك مرة أخرى ، وضع الحزام … ومضى …

الطريق من منتصف عرابة لأول عرابة ، هي  نفس الوقت الذي سيقضيه بين عرابة والناصرة ، الشوارع ضيقة ، والحفر كثيرة ، والأزقة تعج بالأطفال والصغار ، يلعبون كرة القدم في الشارع …

مضى في السيارة ببطيء ، وفجأة ظهرت إبنة أخيه ( يافا ) وكانت واقفة هي وأمها …

    - وين رايح عمو

-        ع الناصرة

-        بدي اجي معك

-        بس عمو صعب عليكي ان رايح ع مظاهرة

-        واذا عمو … ؟

-        طيب قولي لامك

وكانت أمها واقفة بضعة أمتار ، وبعد نقاش لم يدم طويل سمحت لها أمها بالركوب مع عمها .

مضوا في الطريق ، تارة يخلق فيهم مرسيل ثورة البكاء ، وتارة يعيدهم سميح إلى الرمان …

وفي الطريق بين عرابة وديرحنا ، وقف رجل حاني الظهر ، يلوح باصبعه فكبح جماح السير وتوقف ، صعد الرجل … كان ابو جميل ، رجل في الستين من عمره ، وفهم السائق من كلامه أنه متوجه أيضاً للمظاهره …

وخلال طريقهم وفي مفترق مسكنة ، رأوا شخصاً أخر يشير بأصبعه ، فتوقف ، ثم أومأ اليهم بالاتجاه المؤدي إلى الناصرة ، كان أيضاً عادل متوجه إلى مظاهرة الناصرة …

وفي المقعد الخلفي جلس أبو جميل بجانب عادل ، وبدأوا النقاش حول القضية الفلسطينية ، حتى مدخل كفر كنا ، حينما توقف السائق مرة أخرى لشخص آخر وكان عماد ، فلسطيني في الاربعين من العمر ، متوجه أيضاً للناصرة …

وفي خلال المسافة القصيرة التي تبعد كفر كنا عن الناصرة كان النقاش قد احتدم وآخذ مجرى غير اعتيادي …

صرخ أبو جميل :

-        ولكوا انتو شو بفهمكوا بالسياسة … دولتين لشعبين وحلت بعضها … خلينا جماعة واقعيين ، اسرائيل لو تنزل السما ع الارض ما بطلعها من هون … دولتين لشعبين وخلصنا ، وشوية هاللاجئين اللي طلعو من الظفة يرجعو واللي من الجليل خليهن برا خرجهن …

-        صرخ عماد لا يا عمي ، لا يا حبيبي ، بلا عودة اللاجئين فش حل ، طيب مليح دولتين لشعبين ، والقدس للثنين مش عاطلة …

-        فصرخ عادل له له انا عمي عن حبة تراب من القدس ما بتنازل ، دولتين مليح ، بس بدنا القدس …

فصرخت يافا إبن الرابعة عشر : ( يعني عمي عادل  بتتنازل عن كل فلسطين وبدك القدس ؟ شو بتفيد القدس اذا ما في طريق الها ؟ )

صمت الجميع … ثم بدأ يتنهد عم يافا ويقول … ما بهدالي بال إلا ما يرجع آخر شبر من فلسطين ، لا انصاف الحلول بتفيد ولا الحلول المرحلية بتفيد يا احنا يا هني …!!!

فصرخ الثلاث واختلطت الكلمات فيما بينها ، واستطاع عم يافا من بين الكلمات أن يستخرج ( وهمي ، بتعرفش تعيش ، خيالي ) …

فلم يسعه إلا أن يقول هذا موقفي وهمي صاحب كرامة ، خيالي بشرف ، خير من أن أكون واقعي دون بذل!!!

ثم بدأ أبو جميل العجوز الذي قضى عمره بين الكتب … يخاطب عم يافا :

المزيد






فامنحوا للفقراء لحظة ، اننا نجيد لو منحتمونا، الحياة