الرواية الفلسطينية وتطورها
فادي عاصله
ان المهتم بالابداعات والفنون الانسانية ليلحظ ان الفنون ما هي إلا وليدة مآساة،وما انطلاقات في المراحل التاريخية المختلفة ما هي إلا ردة فعل على كوارث ألمت بها وعلى تراكمات حسية شديد الانعطاف،فقد انطلق فن الراب في القرن الماضي من طبقات السود المستائة والمقهورة والتي حاولت بدورها التعبير عن نفسها وايصال رسالتها ، وما فتأ هذا الفن النامي ان انتشر في كل العالم،ومثله كان فن " الجرافتي " صحافة الجدران والتي انطلقت من صفوف البسطاء الذين لا يجيدون التعبير عن أنفسهم عدا عن الخربشات البسيطة،لتتحول خربشاتهم إلى فن بحد ذاته سرعان ما تنامى وتماسك،وهكذا كانت ظروف ولادة الرواية.
كانت تهميش الطبقة الوسطى على مدار سنين وقرون في أوروبا وتركيزها على طبقة الامراء والملوك، قد ولد طاقة هائلة وميراث من الحكايا لدى أبناء هذه الطبقة، وبعد الثورة الصناعة وتغير الميزان الطبقي،كان لا بد لها ان توجد عالماً من الأدب يحكي عن آمالها وآلمها ويعالج مشكلاتها،وفي هذا العالم الجديد كان الانسان العادي هو بطل القصة او الرواية وكانت الطبقة الوسطى هي موضوع الرواية او القصة ومحورها.(1)
في فلسطين والتي كانت ترزح كغيرها من البلاد العربية تحت نير الحكم العثماني " التركي " عاشت كغيرها تجهيلاً ممنهج ساهم في تفشي الجهل والأمية،تطور الاحداث السياسية وضعف الدولة العثمانية واختراقها من قبل البعثات الاوروبية،أثر في ادخال المطابع مما شكل أملا وشجع الكتاب على طباعة انتاجهم الأدبي.
كانت الفترة السابقة قد شكلت مناخاً خصباً للاساطير والخرافات التي بدأت تتهاو أمام الحكاية الشعبية والتي لها مقومات الرواية غير المكتوبة . (2) والتي بدورها تطورت لاحقاً لتشكل رحم الرواية الفلسطينية.
ويؤرخ لمذكرات دجاجة التي كتبها الكاتب اسحاق الحسيني عام 1943 بأنها أول عمل روائي استطاع الخروج من قشور التقليد نحو رؤية ابداعية ذاتية. والتي تلتها ابداعات ومساهمات اتسمت
_______________
(1) عزت الغزاوي،نحو رؤية نقدية حديثة،منشورات اتحاد الكتابة الفلسطينين،القدس 1989 ( ص 11 )
(2) عزت الغزاوي،نحو رؤية نقدية حديثة،منشورات اتحاد الكتابة الفلسطينين،القدس 1989 ( ص 13 )
بالجدية والاحتراف ،وكان للنكبة أثر كبير في تعزيز الرواية الفلسطينية ومدها بالحنين والماضي والذكريات،والذي يعتبر البيئة الأكثر قدرة على انجاب الابداع،فتشظي الروائيين على اختلاف الأمكنة الجغرافية ساهم في اكتساب تجارب وبيئات مختلفة،واستيعاب مشاهد وتخزين موروث وطني أدى لتدفق جيل كامل من الروائيين.برز منهم غسان كنفاني،اميل حبيبي،جبرا ابراهيم جبرا،والذين لم يتحولو إلى رموز الرواية الفلسطينية،بلا إلى رموز الرواية العربية.
تميزت الرواية الفلسطينية بطرحها للواقع الفلسطيني المتحرك،وحملها للهم الوطني،اضافة لتقديمها أبطال من أرض الواقع،وبروز الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي،في مجمل أبعاده الاجتماعية والسياسية.( 1 )
______________
(1) سليم النجار،قراءات في الرواية الفلسطينية،دار الكرمل للنشر والتوزيع ،1998 - ( ص 17 )
جبرا ابراهيم جبرا
في عهد الانتداب البريطاني. انتج نحو 70 من الروايات والكتب المؤلفة والمترجمه الماديه ، و قد ترجم عمله إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة. وكلمة جبرا آرامية الاصل تعني القوة والشدة جبرا آرامية الاصل تعني القوة والشدة.
ولد في بيت لحم درس في القدس وانكلترا وأمريكا ثم تنقل للعمل في جامعات العراق لتدريس الأدب الإنجليزي وهناك حيث تعرف عن قرب على النخبة المثقفة وعقد علاقات متينة مع أهم الوجوه الأدبية مثل السياب والبياتي. يعتبر من أكثر الأدباء العرب انتاجا وتنوعا اذ عالج الرواية والشعر والنقد وخاصة الترجمة كما خدم الأدب كاداري في مؤسسات النشر عرف في بعض الأوساط الفلسطينية بكنية "أبي سدير" التي استغلها في الكثير من مقالاته سواء بالانجليزية أو بالعربية.
قدم جبرا إبراهيم جبرا للقارئ العربي أبرز الكتاب الغربيين وعرف بالمدارس والمذاهب الأدبية الحديثة، ولعل ترجماته لشكسبير من أهم الترجمات العربية للكاتب البريطاني الخالد، وكذلك ترجماته لعيون الأدب الغربي، مثل نقله لرواية «الصخب و العنف» التي نال عنها الكاتب الأميركي وليم فوكنرجائزة نوبل للآداب. ولا يقل ولا يقل أهمية عن ترجمة هذه الرواية ذلك التقديم الهام لها، ولولا هذا التقديم لوجد قراء العربية صعوبة كبيرة في فهمها[1]. أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية يمكن أن تقدم صورة قوية الإيحاء للتعبير عن عمق ولوجه مأساة شعبه، وإن على طريقته التي لا ترى مثلباً ولا نقيصة في تقديم رؤية تنطلق من حدقتي مثقف مرهف وواع وقادر على فهم روح شعبه بحق. لكنه في الوقت ذاته قادر على فهم العالم المحيط به، وفهم كيفيات نظره إلى الحياة والتطورات.
توفي جبرا عام 1994،ودفن في بغداد.
أدبه
· في الشعر لم يكتب الكثير ولكن مع ظهور حركة الشعر النثري في العالم العربي خاض تجربته بنفس حماس الشعراء الشبان.
· في الرواية تميز مشروعه الروائي بالبحث عن أسلوب كتابة حداثي يتجاوز أجيال الكتابة الروائية السابقة مع نكهة عربية. عالج بالخصوص الشخصية الفلسطينية في الشتات من أهم أهماله الروائية "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود" و"عالم بلا خرائط" بالاشتراك مع عبد الرحمان منيف.
· في النقد يعتبر جبرا إبراهيم جبرا من أكثر النقاد حضورا ومتابعة في الساحة الثقافية العربية ولم يكن مقتصرا على الأدب فقط بل كتب عن السينما والفنون التشكيلية علما أنه مارس الرسم كهواية.
· في الترجمة مازال إلى اليوم جبرا إبراهيم جبرا أفضل من ترجم لشكسبير اذ حافظ على جمالية النص الأصلية مع الخضوع لنواميس الكتابة في اللغة العربية كما ترجم الكثير من الكتب الغربية المهمتمة بالتاريخ الشرقي مثل "الرمز الأسطورة" و"ما قبل الفلسفة".
مؤلــفـاته
في الرواية :
صراخ في ليل طويل،1995 – صيادون في شارع ضيق،1960 – رواية السفينة 1970 – البحث عن وليد مسعود،1978 – عالم بلا خرائط ( بالاشتراك مع عبدالرحمن منيف ) ،1982 – الغرف الاخرى ،1986 – يوميات سراب عفان،شارع الاميرات،عرق وبدايات من حرف الياء.
في الشعر :
تموز في المدينة ،1959 – المدار المغلق،1964 – لوعة الشمس،1978 .
في الترجمة :
هاملت - ماكبث - الملك لير - عطيل - العاصفة - السونيتات لشكسبير، برج بابل - أندريه مارو، الأمير السعيد - أوسكار وايلد، في اتظار غودو صامويل بيكيت، الصخب والعنف - وليام فوكنر، ما قبل الفلسفة - هنري فرانكفورت.
دراسات :
ترويض النمرة،الحرية والطوفان،الفن والحلم والفعل،تأملات في بنيان مرمي،النار والجوهر،الاسطورة والرمز.(1)
_____________
(1) ويكبيديا ( موسوعة في الشبكة المعلوماتية ) :
www.wikipedia.org
ملخص لرواية " السفينة "
تدور رواية السفينة للروائي الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا حول مجتمع مركب بمحض التنسيق وبرغبة افراده،يستخدم جبرا أسلوب المرايا،اذ يحكي كل فرد ويسرد ما لديه بصيغة ال " أنا ".
يتناوب على السرد أربع رواية وهم وديع عساف وعصام السلمان،اضافة لاميليا فرانزي،والدكتور فالح التي تعتبر رسالة انتحاره بمثابة صوت رابع ( أجمع على هذا الراية غالبية المحللين والنقاد ).
يلتقي مجتمع السفينة فيها لتصير مسرح العلاقات وتفاعل الاحداث بينهم،هي فضاء مغلق وكلما ضاق هذا الفضاء أكثر وقسى أكثر أصبحت ذوات أفرادها أوسع.
تطل ذكريات وديع عساف من اللحظة الأولى،بأحاسيسه وأفكاره،للمرأة التي تركها هناك في القدس ( مها الحاج )،ويظهر وديع عساف فلسطينياً بكل معنى الكلمة،مشبع بالارض والحكايا،مفم بالحزن ولديه من الأمل ما يفيض.
يتعرف إلى عصام السلمان العراقي الهارب من ثأر في العراق،ومن عينا لمى حبيبته التي لم تكن من نصيبه بسبب ثار بين العائلتين. تضطرب الاحداث لما يتبين أن لمى موجوده على متن السفينة هي وزوجها الدكتور فالح،اضافة لاميليا فرانزي امرأة ايطالية عائدة من بيروت بعد ان تركت هناك قبر زوجها،كما كان في السفينة شاب قومي يدعى محمود الراشد خرج من السجن السياسي وفي جعبته كم من الاضطرابات النفسية التي لا تفتأ ترخي بظلالها على تصرفاته.
تتراكم الاحداث،وتتفاعل الشخوص،في زمان المكان وزمانها الشخصية،وفي مكانها السابق ومكان السفينة،ويتجلى التنسيق الخفي لكل واحد منهم،لما يتبين أن لمى أقنعت زوجها بالرحلة على ظهر السفينة لما عرفت بأن عصام سيكون فيها،وزوج مها وافق لأن ايميليا ستكون فيها،ووديع فيها لأن مها كان يجب لها أن تكون فيها،وبالتالي فما هذا المجتمع المركب ما هو إلا نتاج رغبات جامحه تدور في نفوس ساكنيه،كلهم لديه رغبة ملحة وكلهم هارب بصورة أو بأخرى.
تتراكم التفاصيل،وتتطور الاحداث،مشكلة ذروة المآساة،اذا يلحظ الدكتور فالح زوجته لمى تسير بجانب عصام السمان،بعد ان ادعت المرض والاعياء،كما وأن ايمليا ذاتها تمارس الجنس مع الدكتور فالح،في فندق الكاردنال في الطابق الثالث.
وهذا المكان بدوره يكون المكان الذي يسهر في عصام ولمى،مها وعصام،بعد انتحار الدكتور فالح ،ولحق مها بوديع ،وهي قمة التهكم في هذه السهرة على أطلال الدكتور فالح .
تنتهي السهرة بعبارة عاصفةمستفزة : " هل انتهوا الآن من الرقص على السفينة ؟ " والتي توحي بالذاكرة القاهرة،التي لا تنسلخ عن ماضي بقدر ما تتشبث بمستقبلها،وبقدر ما يهرب الانسان من ماضي،يكتشف ان من يحركه في " غده " هو بالضبط ما هرب منه يوماً.
الوظيفة الشعرية في النص الروائي لدى جبرا
" الفلسطينيون كلهم شعراء بالفطرة ،قد لا يكتبون شعراً، ولكنهم شعراء لأنهم عرفوا شيئيين اثنين هامين،جمال الطبيعة والمآساة … ومن يجمع بين هذين لا بد أن يكون شاعراً …(1)
يداهمنا جبرا في بداية روايته بهذه العبارة الصادمة،كذروة للتفاعالات الداخلية وذروة للغرور المآساوي المتزن.واذا كانت الذروات هي القمة الفاصلة بين منخفضين فان روائية جبرا ذروات متداخلة منغمسة في تفاصيل قضية تشكل به ومعه ذروة الرواية الفلسطينية.
ان تفهم جبرا ومنظومات وعمق السرد الروائي وربطه بالامتداد العربي يعني ان تكون متبحراً بالسرد،وان تعي مقومات النص الروائي وان تعي جبرا وتعي كل محاوره الفلسفية والفكرية يجدر بك ان تكون باحثاً لا يكل،ولكن يجب ان تكون فلسطينياً منخرطاً في الحياة اليومية مع هموم البسطاء وأزمة المثقف وانحسارات القضية، لكي تلم بشاعرية جبرا ومآساته وافكاره وجنونه وثورته وعبثه واتزانه ،لكي تعي من هو جبرا بكل ما يحمله من أبعاد.
رواية السفينة هي انعكاس شاعريته في قالب غير شعري،وهو تجاوز الدال لمدلوله،وشموخ المعنى فوق سطح الكلمة،وتربص المبتغى بالوسيلة.
لا يتحرر جبرا من شاعريته،فهو شاعر بالفطرة،شاعرية تفرض ذاتها بدءًا من العنوان الذي يلتصق بغلاف " السفينة " وحتى العبارة الاخيرة في الرواية : " لقد انتهوا الآن من الرقص على السفينة … "
ان براعة جبرا وشاعريته تتجلى من مطلع الرواية،ببراعة الاستهلال الذي يجيد جبرا اختياره " السفينة " ،واذ يرى سمير فوزي الحاج في عنوان السفينة،نقيضاً للمدلول البحري2،أراها على غير ذلك، ليست نقيض المدلول البحري لكنها تجاوز البحر والخروج بالبحر ذاته،لا أود ظلم جبرا بتجريده من بحره المنساب في السفينة،بعد أن سلب بحره الحقيقي على شواطيء يافا،او كما قال درويش : " من لا بحر له لا بر له " وجبرا له البر والبحر وسماوات اللجوء … ان السفينة برأيي ليست كما يراها الحاج التعلق بالجذور، وان كان التأويل يعود لكل قاريء وباحث وكاتب وفق خلفيته المعرفية ووفق افكاره،فهذه شرعية في أن أرى السفينة وجبرا على نقيض ما يروه.
_____________
(1)جبرا ابراهيم جبرا،السفينة،دار الآداب ( ص 17 )
(2) سمير فوزي الحاج،مرايا جبرا ابراهيم جبرا،المؤسسة العربية للدراسات والنشر
سفينة جبرا هي ملجأ الاغتراب،ملجأ من يجذفون عكس تيارهم،ومن يحلمون أبعد من واقعهم،وهي حيز الهروب نحو الخطوة القادمة،وربط " أنا " بين " أمس " و " غد " ،يخطط الهاربون ، لأن يكونو معاً في تفاعلات موجية ،مد وجزر،يلتقون وفقها في السفينة،ليعيشو البحر الوجودي بكل تقلباته ومناخاته وتناقضته،يعيشون رحلة البحر الذي يتفاعل معهم كما تتفاعل الأحداث (1) فتراه تاراً هادئاً وتارة ينقلب في أعماقه كما ينقلبون،ليصير البحر مرآتهم، يصوره جبرا من خلالهم ويصورهم من خلاله.
يقول وديع عساف متوجساً من البحر : " ما الذي يريده هذا البحر منا،بهذه الروعه الهائله،وبهذا الجمال الغامض " (2) .ومع بدأ ال
المزيد